أحمد بن محمد القسطلاني

384

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حزم الأنصاري قاضي المدينة وأميرها زمن الوليد ، المتوفّى سنة عشرين ومائة عن أربع وثمانين سنة ( أن ابن عباس وأبا حبة ) بفتح المهملة وتشديد الموحدة على المشهور البدري ( الأنصاري ) وعند القابسي وأبا حبة بمثناة تحتية وغلط ، ورواية أبي بكر بن حزم عن أبي حبة منقطعة لأنه استشهد بأُحُد قبل مولد أبي بكر بدهر ، بل قبل مولد أبيه محمد أيضًا ، ففي هذه الرواية وهم لأنه إما أن يُراد بابن حزم أبو بكر أو أبوه محمد ، فالأول لم يدرك أبا حبة والثاني لم يدركه الزهري إلاّ أن يقال أن أبا بكر رواه عنه مرسلاً إذ قال إن ولم يقل سمعت ولا أخبرني وحينئذ فلا وهم ، واختلف في اسم أبي حبة بالموحدة فقيل : عامر بن عبد عمرو بن عمير بن ثابت ، وقيل : مالك ، وأنكر الواحدي أن يكون في البدريين مَن يكنّى أبا حبّة بالموحدة ، قال في الإصابة : وروى عنه أيضًا عمّار بن أبي عمّار وحديثه عنه في مسند ابن أبي شيبة وأحمد ، وصحّحه الحاكم وصرّح بسماعه منه ، وعلى هذا فهو غير الذي ذكر ابن إسحاق أنه استشهد بأُحد ، وله في الطبراني آخر من رواية عبد الله بن عمرو بن عثمان عنه وسنده قوي إلاّ أن عبد الله بن عمرو بن عثمان لم يدركه ، قال ابن حزم : ( كانا ) أي ابن عباس وأبو حبّة ( يقولان ) : ( قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ثم عرج بي ) بفتحات أو بضم الأول وكسر الثاني ( حتى ظهرت ) أي علوت ( لمستوى ) بواو مفتوحة أي موضع مشرف يستوي عليه وهو المصعد واللام فيه للعلّة أي علت لاستعلاء مستوى ، وفي بعض الأصول بمستوى بموحدة بدل اللام ( أسمع فيه صريف الأقلام ) أي تصويتها حالة كتابة الملائكة ما يقضيه الله تعالى مما تنسخه من اللوح المحفوظ أو ما شاء الله أن يكتب لما أراد الله تعالى من أمره وتدبيره ، والله تعالى غنيّ عن الاستذكار بتدوين الكتب إذ علمه محيط بكل شيء . ( قال ابن حزم ) عن شيخه ، ( و ) قال ( أنس بن مالك ) عن أبي ذر قال الحافظ ابن حجر : كذا جزم أصحاب الأطراف ، ويحتمل أن يكون مرسلاً من جهة ابن حزم ومن رواية أنس بلا واسطة . ( قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ففرض الله ) زاد الأصيلي عزّ وجل ( على أمتي خمسين صلاة ) أي في كل يوم وليلة كما عند مسلم من حديث ثابت عن أنس ، لكن بلفظ ففرض الله عليّ ، وذكر الفرض عليه يستلزم الفرض على أمته وبالعكس إلاّ ما يستثنى من خصائصه ، ( فرجعت بذلك حتى مررت على موسى ) عليه الصلاة والسلام ( فقال : ما فرض الله لك على أمتك ؟ قلت : فرض خمسين صلاة ، قال ) موسى : ( فارجع إلى ربك ) أي إلى الموضع الذي ناجيته فيه ( فإن أمتك لا تطيق ذلك ) سقطت لفظة ذلك في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ( فراجعني ) وللأربعة وعزاها في الفتح للكشميهني فراجعت والمعنى واحد ( فوضع ) أي ربي ( شطرها ) وفي رواية مالك بن صعصعة فوضع عني عشرًا وفي رواية ثابت فحط عني خمسًا وزاد فيها أن التخفيف كان خمسًا خمسًا ، قال الحافظ ابن حجر : وهي زيادة معتمدة يتعيّن حمل ما في الروايات عليها ، ( فرجعت إلى موسى قلت ) وللأصيلي فقلت : ( وضع شطرها : فقال ) ولأبي ذر والوقت قال : ( راجع ربك ) وفي رواية راجع إلى ربك ( فإن أمتك لا تطيق ) ذلك ( فراجعت ) ربي ولابن عساكر فرجعت ( فوضع ) عني ( شطرها ) فيه شيء على تفسير الشطر بالنصف ، لأنه يلزم منه أن يكون وضع اثنتي عشرة صلاة ونصف صلاة وهو باطل فتفسيره بجزء منها أولى وأحسن منه الحمل على ما زاده ثابت خمسًا خمسًا كما مرّ ، ( فرجعت إليه ) أي إلى موسى ( فقال ارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك فراجعته ) تعالى ( فقال ) جلّ وعلا : ( هي خمس ) بحسب الفعل ( وهي خمسون ) بحسب الثواب قال تعالى : { مَن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } [ الأنعام : 160 ] ولأبي ذر عن المستملي ، ونسبها في الفتح لغير أبي ذر هنّ خمس وهنّ خمسون ، واستدلّ به على عدم فرضية ما زاد على الخمس كالوتر وفيه جواز النسخ قبل الفعل خلافًا للمعتزلة . قال ابن المنير : لكن الكل متّفقون على أن النسخ لا يتصوّر قبل البلاغ ، وقد جاء به حديث الإسراء فأشكل على الطائفتين . وتعقب بأن الخلاف مأثور نص عليه ابن دقيق